يمثل ملف الزيادة في الأجور في تونس محور تجاذب مستمر بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل، خاصة في ظل التدهور الملحوظ للقدرة الشرائية للمواطنين، الذي تجاوز 23% منذ سنة 2022. وقد أثارت التطورات الأخيرة المتعلقة بمشروع قانون المالية للسنوات القادمة جدلاً واسعاً حول صلاحيات الحكومة في إقرار الزيادات من جانب واحد، ودور الحوار الاجتماعي كآلية لضمان السلم الاجتماعي والعدالة الأجرية.
⚖️ موقف الحكومة: الزيادة “وفق الإجراءات القانونية”
أكدت الحكومة التونسية، على لسان وزير الشؤون الاجتماعية، أن إقرار الزيادة في الأجور والجرايات للسنوات 2026 و2027 و2028 ضمن مشروع قانون المالية تم “وفق الإجراءات القانونية”.
- الشرعية القانونية: أوضح الوزير أن قانون الشغل التونسي ينظم الزيادة في الأجور بثلاث طرق قانونية:
- بالاتفاق التعاقدي الفردي.
- بمقتضى قانون أو أمر حكومي (وهو الخيار المعتمد في الفصل 15 من مشروع قانون المالية 2026).
- بالاتفاق الجماعي في إطار المفاوضات الاجتماعية.
- الهدف المعلن: تندرج هذه الزيادات، حسب الحكومة، في إطار تحسين القدرة الشرائية للمواطنين ومواصلة تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الذي يهدف إلى ضمان العدالة الاجتماعية.
🛑 موقف الاتحاد العام التونسي للشغل: رفض التام لآلية “الأمر الحكومي”
في خطوة تعكس تمسك الاتحاد العام التونسي للشغل بدوره المحوري، اعتبر الاتحاد أن إمكانية ضبط الزيادات في الأجور عبر أمر حكومي، كما ورد في تصريحات وزير الشؤون الاجتماعية، “تمس جوهر منظومة الحوار الاجتماعي في تونس وتشكل مسألة بالغة الخطورة، قانونياً ونقابياً”.
- حصرية المفاوضات الجماعية: أكد الاتحاد على أن أي تعديل في الأجور يجب أن يتم حصراً من خلال المفاوضات الجماعية وبالاتفاق مع جميع الأطراف الاجتماعية. وشدد على أن إصدار أوامر حكومية تؤثر على جداول الأجور في القطاعات الخاضعة لاتفاقيات مشتركة يعد غير قانوني.
- ضمان السلم الاجتماعي: يشدد الاتحاد على أن الحوار الاجتماعي يمثل الضمان الحقيقي للسلم الاجتماعي وتحقيق عدالة الأجور، مطالباً الحكومة بتنقيح الفصل 15 حمايةً لهيبة الدولة وامتثالاً للقوانين التي وضعتها.
📉 آراء الخبراء الاقتصاديين: الزيادة هزيلة والهدف سياسي
أكد الخبير الاقتصادي لدى قسم الدراسات في الاتحاد العام التونسي للشغل، عبد الرحمن اللاحقة، أن إدراج الفصل 15 من مشروع قانون المالية لسنة 2026، والمتعلق بالزيادة في الأجور على مدى ثلاث سنوات، يمثل “خطوة غير قانونية”.
- تجاوز الصلاحيات والأهداف السياسية: أوضح اللاحقة أن الحكومة لا تملك الصلاحية لرفع الأجور بشكل أحادي، مشيراً إلى أن هذا الإجراء يبعث برسالة سياسية تهدف إلى إبعاد الاتحاد العام التونسي للشغل عن دوره الطبيعي في ضبط السياسة الاجتماعية والاقتصادية، وإظهار الحكومة كجهة وحيدة تقرر نيابة عن الجميع.
- هزالة القيمة: أضاف الخبير أن الزيادات المعلنة التي لن تتجاوز 3% في أحسن الحالات، أو ما يعادل نحو 60 ديناراً، تبقى غير كافية لمواجهة الانهيار الكبير في القدرة الشرائية للمواطنين الذي تجاوز 23% منذ سنة 2022.
💰 الآثار المتوقعة للزيادات على العمال والمتقاعدين
استناداً إلى التحليلات الواردة، فإن الزيادات المتوقعة (50 – 100 دينار كحد أقصى) تُعتبر غير ذات قيمة في مواجهة التضخم المتراكم:
- فجوة القدرة الشرائية: أشارت الدراسات إلى أن الحد الأدنى لتكاليف المعيشة الأساسية لأسرة تونسية (زوجان وطفلان) يتراوح بين 2800 دينار و4000 دينار شهرياً، مما يبرز فجوة هائلة بين الدخل الفعلي والتكاليف المعيشية.
- الحل الجذري: شدد الخبراء على أن الحل لا يكمن فقط في الزيادة الهامشية للأجور، بل في مكافحة غلاء الأسعار والتحكم في نسبة التضخم بشكل فعّال، وإلا فإن أي زيادة نقدية لن يشعر بها المواطن.
🔗 الخلاصة
يظل ملف الزيادات في الأجور في تونس يتأرجح بين إطار قانوني تستغله الحكومة لتبرير التفرّد بالقرار، وإطار اجتماعي/نقابي يصر على أن الحوار هو الضمانة الوحيدة لزيادة عادلة تتجاوز نسبة التضخم وتحسن الوضع المعيشي فعلياً. الجدل حول الفصل 15 من قانون المالية 2026 هو في جوهره صراع حول مستقبل الحوار الاجتماعي في البلاد ودور المنظمات الوطنية.










