بركان هايلي غوبي” يكشف الغطاء عن الخطر العالمي المنسي
قد يبدو ثوران بركان “هايلي غوبي” في شمال شرق إثيوبيا، وهو حدث جيولوجي مفاجئ بعد سبات دام نحو 12 ألف عام، مجرد خبر محلي، لكن وصول رماده البركاني إلى مناطق بعيدة مثل مدينة الحديدة في اليمن يذكّر العالم بدرس قاسٍ: الخطر الحقيقي قد يأتي من البراكين التي تبدو هادئة وغير خاضعة للمراقبة.
يقع هذا البركان، في جنوب سلسلة جبال “إرتا ألي” بإقليم عفر، في قلب “وادي الصدع” العظيم، وهي منطقة تعرف باضطراباتها الجيولوجية الناتجة عن تباعد الصفائح التكتونية. إن عودة “هايلي غوبي” إلى النشاط تثير تساؤلات حول تصنيفنا للبراكين، خصوصاً أن العلماء يعتبرون البركان “نشطاً” إذا ثار مرة واحدة على الأقل خلال العصر الهولوسيني، الذي يمتدّ على مدى الـ 11,700 عام الماضية.
إحصائيات مثيرة: نظرة على النشاط البركاني العالمي
تُشير أحدث البيانات، الصادرة عن “برنامج البراكين العالمي”، إلى أن الكرة الأرضية تحتوي على ما يزيد عن 1200 بركان ثارت خلال العصر الهولوسيني. وحتى العام 2025، يُسجّل البرنامج ما يقارب 44 بركانًا في حالة ثوران “مستمر”، وهو تصنيف يعني نشاطاً متقطعاً دون انقطاع لمدة ثلاثة أشهر أو أكثر.
تتوزع هذه البؤر النشطة على نطاق واسع، وتشمل دولاً من كل قارات العالم تقريباً، مثل: إندونيسيا، والولايات المتحدة، وروسيا، وتشيلي، وإيطاليا، والفلبين، والمكسيك، والكونغو، وغيرها.
التوزيع الجغرافي: أين تتراكم البراكين؟
تتفاوت الدول في عدد البراكين الموجودة على أراضيها، وتتصدر القائمة بناءً على عدد البراكين النشطة تاريخياً والمُسجلة:
| الدولة | عدد البراكين الإجمالي | ملاحظات إضافية |
| الولايات المتحدة | 165 بركانًا | 63 بركانًا نشطًا منذ عام 1800. |
| اليابان | 118 بركانًا | تقع على حزام النار في المحيط الهادئ. |
| روسيا | 108 براكين | ترتكز في شبه جزيرة كامشاتكا. |
| إندونيسيا | 101 بركان | كثافة بركانية عالية ومأهولة بالسكان. |
| تشيلي | 90 بركانًا | تمتد على طول سلسلة جبال الأنديز. |
| إثيوبيا | 50 بركانًا | تقع في منطقة الصدع العظيم. |
| آيسلندا | 35 بركانًا | جزيرة تقع على حدود صفيحتين تكتونيتين. |
🔥 عمالقة النار: البراكين الأكثر نشاطاً في العالم
على الرغم من أهمية التركيز على البراكين الخاملة، لا يمكن إغفال العمالقة التي تشكل بؤر جذب سياحي وعلمي، ومن أنشطها وفقاً للقوائم العالمية:
- 1. كيلاويا (هاواي، الولايات المتحدة): يُعدّ أيقونة المتنزهات الوطنية وواحدًا من أنشط البراكين. برغم ارتفاعه النسبي (1247 مترًا)، فإن طبيعة ثوراناته الهادئة جعلته وجهة سياحية عالمية وموقعاً للتراث العالمي لليونسكو.
- 2. إتنا (صقلية، إيطاليا): هو بلا منازع البركان الأكثر نشاطًا في القارة الأوروبية، حيث سجل ثورانات متكررة منذ بداية الألفية، وما يزال يخضع لمراقبة دقيقة.
- 3. أوسورنو (تشيلي): يقع في منطقة البحيرات، ويُشبه “جبل فوجي” الياباني بقمته الثلجية المميزة. كان أحد أنشط براكين جبال الأنديز حيث ثار 11 مرة بين عامي 1575 و1869، وتنتشر المواد البازلتية الناتجة عن انفجاراته في محيطه.
- 4. نيراجونجو (الكونغو): يشتهر عالميًا ببحيرة الحمم البركانية الهائلة، وهي حوض ضخم من الصهارة يقع في قمته، ويشكل خطراً كبيراً على المناطق السكنية المجاورة.
- 5. فويغو (غواتيمالا): يُعدّ من أنشط البراكين في أميركا الوسطى، ويتميز بثوراناته العنيفة المتواصلة، حيث يقذف الرماد والحمم بكميات صغيرة بشكل شبه يومي.
🛑 خطر الإهمال: البراكين المنسية تحصد الأرواح والموارد
تشير الأبحاث المنشورة في “ذا كونفيرزيشن” إلى أن الكارثة البركانية العالمية القادمة لن تأتي من إتنا أو يلوستون، بل من بركان “ساكن” لم يخضع للرصد الكافي. ففي مناطق مثل المحيط الهادئ وأميركا الجنوبية وإندونيسيا، يحدث ثوران بركاني من بركان لم يُسجّل له نشاط تاريخي بانتظام، بمعدل مرة كل سبع إلى عشر سنوات.
إل تشيتشون: عندما يصبح الخطر المحلي عالمياً
أبرز مثال على هذا الخطر هو ثوران بركان “إل تشيتشون” المكسيكي في عام 1982. ظل هذا البركان، غير المعروف وغير المُرَاقَب، خامدًا لقرون طويلة، وعندما انفجر، كانت الكارثة على مستويين:
- كارثة محلية: لقي أكثر من 2000 شخص حتفهم ودُمرت بلدات بأكملها، في أسوأ كارثة بركانية شهدتها المكسيك في العصر الحديث.
- كارثة عالمية: لم يتوقف التأثير عند حدود المكسيك؛ حيث أدت سحابة الكبريت الهائلة إلى تشكيل جزيئات عاكسة في الغلاف الجوي العلوي. هذه الجزيئات أدت إلى تبريد نصف الكرة الشمالي، وحوّلت مسار الرياح الموسمية الأفريقية جنوبًا، وهو ما ساهم بشكل كبير في مجاعة إثيوبيا وشرق أفريقيا المأساوية بين عامي 1983 و1985، والتي أودت بحياة ما يقدر بمليون شخص.
إن بركانًا منسيًا في جبال المكسيك أثّر بشكل مباشر على مناخ العالم وساهم في مجاعة قتلت مئات الآلاف في أفريقيا.
🧠 التحيزات البشرية: عدو الرصد الأول
يُعزى هذا الاستثمار الهزيل في رصد البراكين غير المشهورة إلى تحيزات بشرية معروفة:
- تحيّز الوضع الطبيعي: يميل الناس إلى افتراض أن ما كان هادئًا لعقود أو قرون سيبقى آمنًا، مما يولد شعورًا زائفًا بالطمأنينة.
- استدلال التوافر: يتم الحكم على المخاطر بناءً على مدى سهولة تذكر الأمثلة. فالثورانات الإعلامية البارزة (كسحابة آيسلندا 2010) تظل حاضرة ومؤثرة في الذاكرة، بينما تُغفل الكوارث القادمة من بؤر نائية.
هذه التحيزات تقود إلى نمط خطير: أن ثلاثة أرباع الثورات البركانية الكبيرة تأتي من براكين كانت نائمة لمئة عام على الأقل، ولم تخضع إلا لأدنى مستويات الرصد. وبالمقابل، نجد أن الأبحاث المنشورة حول بركان واحد فقط (مثل جبل إتنا) تفوق تلك المنشورة حول جميع براكين إندونيسيا والفلبين وفانواتو الـ 160 مجتمعة، رغم أنها مناطق ذات كثافة سكانية هائلة ومعرضة لخطر أكبر.
نحو يقظة استباقية للحد من المخاطر
إن الصمت الجيولوجي للبَركان ليس دليلاً على أمانه؛ بل قد يكون أخطر أشكال الطمأنينة الزائفة.
يجب على المجتمع العلمي وصناع القرار توجيه الاهتمام والاستثمار نحو البراكين التي تقع في مناطق ذات سجل تاريخي محدود أو معدوم، خاصة في أميركا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا، وأفريقيا، والمحيط الهادئ. هناك، حيث يعيش ملايين الأشخاص بالقرب من هذا الخطر المنسي، يمكن حتى للاستثمارات المتواضعة في أنظمة الإنذار المبكر والتأهب المجتمعي أن تنقذ آلاف الأرواح وتمنع تحول أي ثوران مفاجئ إلى كارثة عالمية.










