خطر تحت السطح: البراكين “الخاملة” تهدد بكوارث عالمية غير متوقعة
عندما نتحدث عن البراكين، عادةً ما تتوجه أذهاننا إلى الأيقونات النشطة مثل جبل إتنا في صقلية أو نظام يلوستون الهائل في الولايات المتحدة. ومع ذلك، يطلق العلماء اليوم تحذيرات عاجلة حول مصدر تهديد أكبر وأقل وضوحاً: البراكين الهادئة أو الخاملة التي تُترك دون مراقبة كافية، والتي تحمل في باطنها القدرة على إطلاق كوارث طبيعية ذات أبعاد عالمية.
إن هذه البراكين “الخفية” أو “النائمة” تُهمل غالباً من قبل وسائل الإعلام والباحثين على حد سواء، على الرغم من أن إحصائياتها تشير إلى أنها تثور بوتيرة أعلى مما يتصوره عامة الناس. إن الحقيقة المذهلة هي أن الكارثة البركانية الكبرى التالية قد تنبثق من بركان لم يسمع به أحد، وليس بالضرورة من البؤر البركانية المعروفة التي نراقب نشاطها باستمرار.
دروس مأساوية من الماضي القريب
تُقدم لنا الثورانات البركانية غير المتوقعة دليلاً دامغاً على حجم هذا التهديد:
- بركان إل تشيتشون (المكسيك، 1982): هذا البركان، الذي كان خامداً لقرون طويلة وغير خاضع للمراقبة، فاجأ العالم بثورانه الهائل. كانت قوته التدميرية واسعة، حيث أطلقت الانهيارات الجليدية الساخنة من الصخور والرماد، ودمرت الغابات، وتسببت في إغلاق السدود على الأنهار. الأهم من ذلك، أن غاز الكبريت الناتج عن الانفجار وصل إلى الغلاف الجوي، وشكّل جزيئات عاكسة أدت إلى تبريد ملحوظ في نصف الكرة الشمالي وتغيير في أنماط الرياح الموسمية الأفريقية، مما أسفر عن موجة جفاف حادة.
- ثورانات سابقة غير مراقبة: تسلط هذه الأمثلة الضوء على أن البراكين الخفية ليست مجرد خطر محلي. يمكن أن تمتد آثارها لتشمل تغييرات مناخية، وتدهوراً في المحاصيل، وتأثيراً مباشراً على الأمن الغذائي والاقتصاد العالمي، خاصة عندما تتزامن هذه الأحداث مع مناطق تعاني من الفقر أو النزاعات.
🧠 التحيز البشري: لماذا نغفل عن الخطر؟
يعود السبب الرئيسي في هذا الإهمال إلى تحيزاتنا النفسية الطبيعية التي تؤثر على عملية تقييم المخاطر لدينا:
- تحيز الوضع الطبيعي (“Normalcy Bias”): يميل الإنسان إلى الافتراض بأن ما كان هادئاً سيستمر في هدوئه. إذا لم يثور بركان لأجيال عديدة، يتم التعامل معه ضمنياً على أنه آمن، مما يقلل من حافز الاستثمار في مراقبته.
- الاستدلال بالتوافر (“Availability Heuristic”): يعتمد الناس على سهولة تذكر الأمثلة عند تقييم المخاطر. فالثورانات الشهيرة والمغطاة إعلامياً، مثل ثوران جبل بيناتوبو أو بركان آيسلندا (2010)، تظل حاضرة في الذاكرة. في المقابل، نادراً ما يتم اعتبار البركان النائي الذي لم يُسجل نشاطه الحديث خطراً وشيكاً.
هذا النمط يقودنا إلى سلوك خطير: الاستثمار في الرصد والإنذار المبكر يأتي غالباً بعد وقوع الكارثة، وليس قبلها. والنتيجة صادمة: يشير موقع “livescience” إلى أن ثلاثة أرباع الانفجارات البركانية الكبرى تأتي من براكين ظلت هادئة لأكثر من قرن، ويقع معظمها في مناطق تفتقر إلى المراقبة الكافية.
💡 الرصد المبكر ينقذ الأرواح: قصص نجاح
على الجانب الآخر، تبرهن التجارب الإيجابية أن الاستعداد المبكر هو مفتاح الوقاية من الكوارث:
- جبل بيناتوبو (الفلبين، 1991): نجحت السلطات والعلماء، بفضل الرصد الجيوفيزيائي المبكر والتخطيط السليم، في إجلاء عشرات الآلاف من السكان قبل الثوران المدمر، مما أنقذ آلاف الأرواح.
- جبل ميرابي (إندونيسيا، 2019) ولا سوفريير (جزيرة سانت فنسنت، 2021): في كلتا الحالتين، أثبتت أنظمة الإنذار المبكر فعالية حاسمة في إدارة الأزمة.
تُظهر هذه الأمثلة أن الاستعداد الاستباقي يمكن أن يحدث فرقاً هائلاً. يجب أن يتحول التركيز العالمي نحو البراكين غير المراقبة بشكل كافٍ، لا سيما في مناطق ذات كثافة سكانية عالية مثل أميركا اللاتينية، جنوب شرق آسيا، أفريقيا، والمحيط الهادئ، حيث يعيش ملايين الأشخاص بالقرب من براكين ذات نشاط تاريخي محدود.
🤝 نحو استراتيجية عالمية للحد من المخاطر
لمواجهة هذه الفجوة المعرفية والرقابية، قام فريق من العلماء، بمن فيهم مايك كاسيدي من جامعة برمنغهام، بإطلاق التحالف العالمي لمخاطر البراكين (GVRA). هذه المؤسسة الخيرية تركز بشكل استراتيجي على الاستعداد الاستباقي للثورات البركانية ذات التأثير الكبير.
الأهداف الرئيسية للتحالف:
- تسليط الضوء: تحديد البراكين الخفية والمناطق غير المراقبة الأكثر عرضة للخطر.
- تعزيز الرصد: دعم وتطوير قدرات الرصد في المناطق التي هي بأمس الحاجة إليها.
- دعم المجتمعات: بناء الجسور بين العلماء وصناع القرار والمنظمات الإنسانية لتعزيز التعليم، والتخطيط للطوارئ، والاستجابة المجتمعية.
إن الاستثمار في هذه المجالات ليس مجرد رفاهية علمية، بل هو ضرورة إنسانية واقتصادية. من خلال اليقظة والرصد الاستباقي، يمكننا ضمان أن يتحول أي بركان “هادئ” إلى مصدر للتحذير المبكر، بدلًا من أن يصبح مفجراً لكارثة عالمية.










