(تتمة أحداث ليلة خريف 1982 – ميناء حلق الوادي)
كانت أنفاس ياسين تخرج كبخار أبيض في هواء الخريف البارد وهو يركض بين أزقة حلق الوادي الضيقة، متجهاً نحو الميناء. خلفه، كان صوت عجلات السيارة “البيجو 504” السوداء يمزق سكون الليل، تارة تقترب وتارة تبتعد كأنها تلعب معه لعبة القط والفأر. لم يكن ياسين يركض هرباً من الموت فقط، بل كان يركض نحو الحقيقة التي طمرها جده “الباجي” تحت أطنان من الملح والغموض.
وصل ياسين إلى منطقة الملاحات القديمة، حيث تتراكم جبال الملح الأبيض تحت أضواء الميناء الصفراء الباهتة. هناك، يقف المخزن رقم 7،وهو رقم المفتاح كبناء حجري ضخم يعود للحقبة الاستعمارية، جدرانه مشبعة بالملح لدرجة أنها أصبحت جزءاً من الطبيعة. كان هذا المخزن هو “الخزنة الحصينة” لشبكة البارون “دي لافاييت”، ومن هنا بدأت القصة قبل عقود.
الدخول إلى عش الدبابير
أخرج ياسين المفتاح النحاسي الضخم. يداه ترتجفان ليس من البرد، بل من هول ما يكتشفه. أدخل المفتاح في القفل الذي بدا وكأنه لم يفتح منذ جلاء آخر جندي فرنسي عن تونس. بصرير معدني حاد، انفتح الباب ليواجه ياسين ظلاماً دامساً تفوح منه رائحة اليود والورق القديم.
أشعل كشافه اليدوي، لتكشف الحزمة الضوئية عن صفوف من الرفوف الخشبية العالية، محملة بملفات كُتبت عليها أسماء باللغة الفرنسية والعربية. لم تكن هذه تجارة ملح؛ كانت هذه “بورصة الخيانة”. عقود ملكية، تقارير استخباراتية، وقوائم بأسماء “الوكلاء” الذين زرعهم البارون في مفاصل الدولة الناشئة ليضمن بقاء مصالح فرنسا حية تحت غطاء الاستقلال.
المواجهة: الخيانة تلبس وجهاً مألوفاً
فجأة، أضاءت أنوار المخزن العلوية دفعة واحدة. أصيب ياسين بالعمى المؤقت، وعندما استعاد بصره، وجد نفسه محاصراً بثلاثة رجال. في المنتصف، كان يقف “العم منصف”، الرجل الذي كان يشاركه طعام العشاء كل ليلة جمعة، وبجانبه الرجل صاحب المعطف الطويل الذي كان يراقبه بالسيارة.
لكن الصدمة الحقيقية كانت عندما تقدم الرجل صاحب المعطف ونزع قبعته. لم تكن الملامح غريبة، كانت نسخة قاسية ومكبرة من ملامح ياسين نفسه. “خالي المنجي؟” همس ياسين بذهول. “لقد أخبرونا أنك مت في حادث سيارة في السبعينيات.. القبر في الزلاج.. الجنازة..”
ضحك المنجي بمرارة وهو يشعل ولاعته البرتقالية: “في عالمنا يا ياسين، الموت هو أفضل غطاء للعمل. الجنازة كانت مسرحية، والقبر فارغ. أنا لم أمت، أنا فقط انتقلت للعيش في الظل لأحمي ما بناه ‘البارون’. نحن ‘الورثة’ يا بني، نحن الذين نبقي هذه البلاد واقفة على قدميها بفضل أسيادنا في الخارج.”
حقيقة مقتل الوالد
اقترب المنجي من ياسين، وعيناه تلمعان ببرود قاتل: “والدك كان أحمقاً مثل جده. ظن أن ‘الوطنية’ أهم من البقاء. عندما حاول تسليم نسخة من هذا الأرشيف للحكومة في السبعينيات، كان عليّ أن أختار بين العائلة وبين الشبكة.. فاخترت الشبكة. والدم الذي تراه على يديك الآن ليس ملحاً، بل هو إرث والدك الذي رفض أن يفهم اللعبة.”
شعر ياسين ببرودة تسري في جسده. والده لم يمت في حادث عمل، بل قُتل بدم بارد على يد خاله المنجي، وبتواطؤ من العم منصف، الصديق “الوفي”. كان جده الباجي يعلم ذلك، لكنه كان أضعف من المواجهة، فاكتفى بجمع الأدلة وابتزازهم بها ليحمي ما تبقى من عائلته، بانتظار اليوم الذي يكبر فيه ياسين لينهي هذا الكابوس.
الفخ المائي وتفعيل “التطهير”
“أعطني المفتاح والدفتر الأسود الآن،” صرخ المنجي وهو يصوب مسدسه نحو قلب ياسين. “هذا الأرشيف يحتوي على أسماء عائلات نافذة في تونس وفرنسا، إذا خرج للعلن، ستسقط رؤوس كبيرة وتندلع ثورة لا نريدها.”
تراجع ياسين نحو لوحة التحكم المركزية للمخزن، وهي منظومة ميكانيكية قديمة كانت تستخدم لغسل الملح بماء البحر. تذكر جملة مشفرة في دفتر جده: “إذا طغى الموج، فافتح قلب الميناء”. بلمحة سريعة، أدرك أن المفتاح النحاسي ليس للخزائن فقط، بل هو “مفتاح الأمان” للنظام الهيدروليكي للمخزن.
بينما كان المنجي يتقدم نحوه، أدخل ياسين المفتاح في صمام الضغط العالي خلف لوحة التحكم وأداره بكل قوته. “ماذا فعلت؟” صرخ منصف وهو يسمع أنين الأنابيب الحديدية. “لقد فعلت ما كان يجب على والدي فعله منذ عشرين عاماً،” رد ياسين بصوت ثابت. “الملح سيعود إلى البحر، ومعه قذارتكم!”
بدأت جدران المخزن تهتز. انفجرت صمامات مياه البحر، وبدأت تتدفق بقوة هائلة داخل القبو. في ثوانٍ، بدأت أطنان الملح المخزنة في الطوابق العليا تنهار بفعل المياه، لتتحول إلى دوامات لزجة تبتلع كل شيء. ساد الذعر؛ المنجي ومنصف حاولا الهرب نحو المخرج، لكن ضغط الماء كان قد أغلق الأبواب الحديدية آلياً بفعل نظام الطوارئ.
وسط الفوضى، والماء الذي بدأ يرتفع بسرعة نحو صدورهم، وجد ياسين نفسه وجهاً لوجه مع خاله المنجي للمرة الأخيرة قبل أن يفترقا في الظلام. كان الملح يذوب، والأسرار تغرق، والحساب العسير قد بدأ لتوّه تحت جنح ليل حلق الوادي.
بقية الأجزاء أضغط للقراءة
في الجزء الأول : “ميراث الملح | الجزء الأول: شيفرة البارون”
يتبع في الجزء الثالث والأخير: “عين البحر.. الحقيقة المرة”





