تخطى إلى المحتوى
شاب تونسي في قبو منزلي قديم بحلق الوادي عام 1982، ينظر بذهول إلى صندوق حديدي أثري عليه شعار "البارون"، بينما تظهر في الخلفية عبر نافذة صغيرة سيارة بيجو 504 سوداء ورجل غامض يشعل ولاعة برتقالية تحت المطر.

“ميراث الملح” لغز ميناء حلق الوادي ج1

خريف 1982 – مدينة حلق الوادي، تونس

كانت الرطوبة في “حلق الوادي” كأنها غلاف ثقيل يلف الأجساد، ممزوجة برائحة البحر واليود التي لا تفارق الجدران المتآكلة. في تلك الليلة، لم يكن “ياسين” يسمع سوى صوت ارتطام الأمواج المكتوم بالأرصفة الصخرية، وصوت أنفاسه التي تضطرب كلما اقترب من باب القبو القديم في منزل جده الراحل “الباجي”.

توفي الجد قبل أسبوع واحد فقط، وترك وراءه هدوءاً مريباً وجملة واحدة ظلت ترن في أذن ياسين كأنها لعنة: “الملح لا يخون يا ولدي.. لكنه يحفظ الخطايا أيضاً”. لم يفهم ياسين حينها أن جده، الذي كان يبدو تاجراً بسيطاً للملح، كان في الحقيقة يحرس شيئاً أعمق من البحر وأخطر من الموت.

القبو والسر المدفون

نزل ياسين درجات السلم الخشبي الذي كان يئن تحت قدميه. كان القبو مظلماً، تفوح منه رائحة التبن المبلل والملح الصخري المخزن في أكياس خيش قديمة. في الزاوية البعيدة، تحت ضوء مصباح “نيون” يرتجف، وجد ياسين ما كان يبحث عنه: صندوق حديدي ضخم، يكسوه الصدأ، لكن قفله كان غريباً.. قفل نحاسي عتيق يحمل شعاراً محفوراً بدقة: “العين والموجة”، وهو شعار “البارون دي لافاييت”.

كان “البارون” شبحاً تاريخياً في تونس؛ رجل استخبارات فرنسي أدار شبكات التهريب والولاءات في الأربعينيات، وقيل إنه غادر البلاد مع الاستقلال عام 1956. لكن الصندوق الذي أمامه كان يثبت أن “البارون” لم يرحل تماماً، بل ترك “ميراثاً” مسموماً خلفه.

بمجرد أن وضع ياسين العتلة الحديدية وكسر الشمع الأحمر الذي يختم الصندوق، حدث شيء لم يتوقعه. في جيب معطفه، بدأ جهاز “البيجر” (Pager) – الذي وجده في مقتنيات جده – يهتز بعنف ويصدر صفيراً حاداً. أخرجه ياسين بكلمات مرتجفة، وقرأ على شاشته الصغيرة أرقاماً مشفرة تتبعها عبارة مقتضبة: “كُسر الختم.. الملح سيحترق. أغلقه فوراً!”

تجمد ياسين في مكانه. كيف عرف هذا الجهاز أن الصندوق قد فُتح الآن؟ هل كان جده قد صمم نظاماً لاسلكياً بدائياً مرتبطاً بحساسات ضوئية داخل الصندوق؟ أدرك ياسين في تلك اللحظة أن جده لم يكن مجرد تاجر، بل كان “أمين سر” لمنظومة أمنية معقدة.

محتويات الصندوق: أرشيف الخيانة

تجاهل ياسين التحذير وفتح الصندوق. لم يجد ذهباً ولا مالاً، بل وجد ما هو أغلى وأخطر. كانت هناك ملفات ورقية قديمة، وصور بالأبيض والأسود تجمع جده بشخصيات مرموقة في تونس الثمانينيات: وزراء، رجال أعمال، وقادة أمنيين. لكن الصور لم تكن تذكارية؛ كانت صوراً لعمليات تسليم مشبوهة في عرض البحر، ووثائق موقعة تشير إلى “تأجير ولاءات” لفرنسا مقابل صفقات تجارية واحتكارات.

كان جده “الباجي” هو الرابط. كان هو الرجل الذي يجمع “الملح” (الأسرار) ويخزنها ليبتز بها هؤلاء “الورثة”؛ ورثة البارون الذين استبدلوا ولاءهم للوطن بولائهم لمصالحهم الاستعمارية القديمة. وفي قاع الصندوق، وجد ياسين مفتاحاً نحاسياً ضخماً منقوشاً عليه رقم “7”.

الظل الذي لا ينام

فجأة، انطفأ مصباح النيون. ساد صمت مطبق، ثم سمع ياسين صوت محرك سيارة يتوقف أمام المنزل. زحف نحو النافذة الصغيرة المرتفعة للقبو، ونظر بحذر. كانت هناك سيارة “بيجو 504” سوداء، لامعة بشكل يستفز فقر الحي. خرج منها رجل يرتدي معطفاً طويلاً، رغم أن الجو لم يكن بارداً بما يكفي. وقف الرجل بجانب باب السيارة، وأخرج ولاعة برتقالية فاقعة اللون. أشعل سيجارته، وبدا أن الضوء المنبعث من الولاعة كشف عن ملامح قاسية ونظرة صقرية كانت تراقب نافذة القبو مباشرة.

شعر ياسين بالرعب؛ هذا الرجل لم يأتِ لتقديم العزاء. إنه أحد كلاب الحراسة التابعين لـ “عائلات الورثة”. لقد وصلت الإشارة إليهم بمجرد فتح الصندوق، وهم الآن هنا لاستعادة الأرشيف الذي هدد عروشهم طوال عقود.

الفخ يطبق أنيابه

لم يكد ياسين يجمع شتات نفسه حتى سمع طرقاً قوياً على الباب العلوي للمنزل. طرقات لم تكن تطلب الإذن بالدخول، بل كانت تعلن عن الاقتحام. حمل ياسين المفتاح النحاسي ولف الدفتر الأسود في قماش، وقرر الهروب عبر فتحة التهوية الخلفية للقبو التي تؤدي إلى زقاق ضيق مليء ببراميل الملح القديمة.

بينما كان يزحف في الزقاق، رأى الرجل صاحب الولاعة يتحرك ببطء وهدوء خلفه، كأنه يمارس هواية الصيد. كان ياسين يدرك الآن أن حياته القديمة كطالب بسيط قد انتهت، وأنه أصبح “الهدف رقم 1” لدولة عميقة جذورها في باريس وأطرافها في تونس.

وصية الجد لم تكن كنزاً، بل كانت “قنبلة موقوتة” وضعها في يد حفيده، والمفتاح النحاسي الذي يحمله هو الفتيل الذي قد يفجر الميناء بأكمله، أو يغرق ياسين في قاعه للأبد.

يتبع في الجزء الثاني: “أسرار المخزن رقم 7”.. حيث تلتقي المياه بالدم.

بقية الأجزاء أضغط للقراءة

يتبع في الجزء الثاني: “أسرار المخزن رقم 7”.. حيث تلتقي المياه بالدم.

يتبع في الجزء الثالث والأخير: “عين البحر.. الحقيقة المرة”