مع انطلاق سنة 2026، عاد ملف الزيادات في الأجور والجرايات ليتصدر واجهة الأحداث في تونس. ففي ظل ضغوط التضخم وتآكل المقدرة الشرائية، رسم قانون المالية لسنة 2026 مساراً استثنائياً يمتد على ثلاث سنوات (2026، 2027، 2028)، في خطوة تهدف إلى إيجاد توازن بين الاستقرار الاجتماعي والموازنات المالية للدولة.
ماذا يحمل قانون المالية 2026 للأجراء والمتقاعدين؟
لم يعد الترفيع في الأجور مجرد وعود، بل تحول إلى بنود رسمية ضمن ميزانية الدولة. التوجه الجديد يعتمد على ديمومة الزيادة، حيث تم إقرار ترفيعات متتالية تغطي ثلاث سنوات كاملة.
أرقام ومؤشرات الميزانية:
- الاعتمادات المرصودة: تم تخصيص نحو 900 مليون دينار لتغطية هذه الزيادات.
- كتلة الأجور: من المتوقع أن تصل نفقات الأجور إلى 25.2 مليار دينار، بزيادة تقدر بـ 3.6% مقارنة بالسنة الماضية.
- عدد المنتفعين: تشمل الإجراءات قرابة 1.9 مليون شخص، يتوزعون بين موظفي القطاع العام، أجراء القطاع الخاص، والمتقاعدين، بالإضافة إلى إدماج 51 ألف موظف جديد.
المنعرج الجديد: الزيادة بـ “القرار” لا بـ “التفاوض”
من أبرز ملامح سنة 2026 هو التغيير في منهجية إقرار الزيادات. فبدلاً من مسارات التفاوض التقليدية الطويلة مع المنظمات النقابية، اتجهت الحكومة نحو الضبط المباشر للنسب.
ووفقاً لتصريحات وزير الشؤون الاجتماعية، عصام الأحمر، فإن القانون يمنح السلطة التنفيذية حق تحديد نسب الزيادة عبر أوامر حكومية، مع التأكيد على أن باب الحوار يظل مفتوحاً لتأطير هذه القرارات وضمان نجاعتها في مختلف القطاعات.
موعد الصرف: متى ستدخل الزيادات في “الجيوب”؟
رغم أن المفعول الإداري للزيادات انطلق نظرياً من غرة جانفي 2026، إلا أن التساؤل الأهم لدى التونسيين هو: متى يتم الصرف الفعلي؟
- التوقع السائد: تشير القراءات التقنية والمالية للمختصين في الاقتصاد إلى أن عملية الصرف بمفعول رجعي قد تبدأ فعلياً في راتب شهر مارس 2026 و على أقصى تقدير شهر أفريل 2026
- السبب: يعود هذا التأخير “التقني” إلى الوقت الذي تتطلبه الترتيبات الإدارية، وإصدار النصوص الترتيبية الدقيقة، وتعبئة الموارد المالية اللازمة من قبل الخزينة العامة.
توقعات نسب الزيادة في القطاعين العام والخاص
بناءً على التقارير الاقتصادية والمصادر المقربة من دوائر القرار (مثل موزاييك أف أم ووكالة تونس إفريقيا للأنباء)، إليك النسب المتداولة:
| القطاع | النسبة المتوقعة للزيادة | ملاحظات |
| الوظيفة العمومية والقطاع العام | 4% – 6.5% | تخضع لمعايير التضخم وميزانية الدولة |
| القطاع الخاص | 6.5% فأكثر | مرتبطة بالاتفاقات القطاعية والقدرة التنافسية |
| جرايات المتقاعدين | متناسبة مع زيادات الأجور | تهدف لحماية القوة الشرائية لكبار السن |
التحدي الأكبر: هل تلتهم الأسعار هذه الزيادات؟
يبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه خبراء الاقتصاد: هل ستكون هذه الزيادة حلاً أم مسكناً؟ إن لم تكن هذه الترفيعات مدعومة بسياسات صارمة للتحكم في الأسعار ومقاومة الاحتكار، فإنها قد تتحول إلى وقود يغذي التضخم. النجاح الحقيقي لهذه الخطة الثلاثية (2026-2028) يعتمد على قدرة الحكومة على تحويل “الأرقام” إلى “قدرة شرائية حقيقية” يشعر بها المواطن في حياته اليومية.










