خيوط العنكبوت: الهدوء الذي يسبق العاصفة
كانت ليلة خريفية كئيبة في ضواحي مدينة تونس، حيث تسلل البرد عبر شقوق النوافذ ليختلط ببرودة المشاعر التي باتت تسيطر على قصر “كمال المنصوري”. كمال، المهندس المعماري الذي بنى نجاحه حجراً بحجر، كان يظن أن تصاميمه الهندسية هي الوحيدة التي تخضع لقواعد المتانة، ولم يدرك أن حياته الزوجية، التي بدت كصرح مشيد من الرخام، كانت تنخرها السوس من الداخل.
في تمام منتصف الليل، ركن كمال سيارته السوداء الفارهة أمام الفيلا. أطفأ المحرك وجلس لثوانٍ يتأمل المنزل. الصمت كان مريباً، والأنوار كانت خافتة بشكل لا يوحي بالراحة. دخل كمال المنزل، فاستقبلته رائحة عطر ليلى القوية، عطر فرنسي ثقيل لم تكن تضعه إلا في المناسبات الكبرى، لكنها لم تكن قد خرجت معه الليلة.
ارتباك في ظلال الليل
وجد ليلى في غرفة المعيشة، تجلس على طرف الأريكة، هاتفها يضيء وجهها الشاحب في الظلام. بمجرد أن شعرت بظله، قفزت من مكانها وأغلقت الشاشة بحركة هستيرية، ثم وضعت الهاتف وراء ظهرها. “كمال! أخفتني.. لم أسمع صوت السيارة،” قالتها وهي تتنفس بصعوبة، وصدرها يعلو ويهبط بشكل لا يتناسب مع زوجة تنتظر زوجها بهدوء.
نظر كمال إلى عينيها، كانت هناك لمعة غريبة، مزيج من الخوف والنشوة التي يحاول المرء إخفاءها. “لماذا أنتِ مستيقظة يا ليلى؟ وما سر هذا العطر الذي يملأ المكان؟” سأل ببرود وهو يخلع معطفه الثقيل. تلعثمت ليلى، وهي تحاول ترتيب خصلات شعرها المتمردة: “لقد.. لقد شعرت بالملل، جربت بعض العطور الجديدة التي اشتريتها اليوم. أما السهر، فأنت تعلم أن الأرق بات رفيقي الدائم منذ سافرت في رحلتك الأخيرة.”
لم يقتنع كمال. مهنته علمتُه أن التفاصيل الصغيرة هي التي تكشف عيوب البناء. لاحظ أن حذاءها الذي ترتديه في البيت كان مبللاً بقطرات من الماء، رغم أنها ادعت أنها لم تخرج. لكنه قرر الصمت، فالصيد الثمين يتطلب صياداً صبوراً.
الرسالة التي فجرت البركان
في صباح اليوم التالي، بينما كان كمال يرتشف قهوته المرة في مكتبه بالشركة، اهتز هاتفه برسالة نصية من رقم خاص. لم يكن محتواها عادياً، بل كان “خريطة طريق” للجحيم: “يا مهندس كمال، أنت تبني البيوت للناس، لكن بيتك من زجاج. إذا أردت أن تعرف أين تذهب زوجتك كل يوم في الساعة الرابعة، ابحث في المكتبة القديمة، خلف الطبعة الأولى لرواية ‘البؤساء’. الحقيقة ليست بائسة بقدر ما هي قذرة.”
سقط الفنجان من يد كمال، وتحطمت قطع السيراميك على الأرض تماماً كما تحطم هدوؤه. لم يستطع انتظار نهاية الدوام. خرج مسرعاً، يقود سيارته بجنون، والأفكار تتصارع في رأسه كأمواج هائجة. هل يعقل؟ ليلى التي اختارها من بين الجميع، ليلى التي كان يراها ملاكه الطاهر، هل تكون هي نفسها التي يلمح المجهول إلى خيانتها؟
في حضرة الخديعة
وصل إلى المنزل في وقت كانت ليلى فيه، كالعادة، تدعي أنها في “صالة الألعاب الرياضية”. توجه مباشرة نحو المكتبة، تلك الغرفة التي كانت تفوح برائحة الورق والذكريات. أصابعه المرتجفة بحثت بين الرفوف حتى استقرت على رواية “البؤساء”. سحب الكتاب بقوة، فسقط خلفه مظروف بني غامق وهاتف محمول صغير من الطراز القديم.
فتح كمال المظروف بقلب يكاد يتوقف عن النبض. كانت هناك صور ملتقطة بعدسة احترافية. صور لليلى في أماكن لم يزرها معها قط؛ مقهى منعزل في سيدي بوسعيد، وشقة في جهة قمرت. لم تكن بمفردها. كانت في أحضان رجل يرتدي نظارات شمسية، لكن ملامحه بدأت تتضح لكمال كلما قلب الصور. الصدمة لم تكن في الخيانة الجسدية فحسب، بل في “الألفة” المرعبة التي كانت تظهر في نظراتها له.
شغّل الهاتف المخفي. لم يكن محمياً بكلمة مرور. دخل على الرسائل النصية، فقرأ كلمات لم تكن ليلى تقولها له حتى في أيام عسلهم الأولى. “لقد اقتربنا يا حبيبي.. غداً سأوقع على أوراق التوكيل العام، وسأفرغ حساباته البنكية تماماً. لن يتبقى له سوى الجدران التي يفتخر ببنائها. كمال غبي، يثق بي كما يثق في قوانين الجاذبية.”
المواجهة الكبرى
بينما كان يقرأ الرسالة الأخيرة التي تسخر من ذكائه، سمع صوت فتح باب الفيلا. عادت ليلى. كانت تبدو متألقة، وجهها مورد من أثر الخروج، وتحمل بيدها باقة ورد اشترتها لنفسها لتكمل مسرحية “الزوجة المحبة”.
وقفت في مدخل الصالة، لتجد كمال واقفاً في وسط الغرفة، يحمل المظروف والهاتف، وعيناه تشعان بنار لا ترحم. سقطت باقة الورد من يدها، وتناثرت الأوراق الخضراء على الأرض. “كمال.. أنا..” قاطعها بصوت هادئ، هدوء ما قبل الإعصار: “لا تتعبي نفسك بالكذب يا ليلى. لقد قرأتُ عن خطة ‘التوكيل العام’. وقرأتُ عن الغبي الذي يثق بالجاذبية.”
اقترب منها ببطء، وهي تتراجع حتى التصقت بالجدار. صرخ فيها فجأة: “لكن هناك شيء واحد لم تذكريه في رسائلك لهذا الحثالة! هل أخبرتيه أنني أعرف من هو؟ هل أخبرتيه أن ‘عمر’، صديقك المزعوم، هو نفسه عدوي الذي أرسلته للسجن قبل سنوات بتهمة الاختلاس؟”
انهارت ليلى على ركبتيها، وبدأت بالنشيج المرير. لكن كمال لم يشعر بأي شفقة. انحنى نحوها وهمس في أذنها: “اللعبة بدأت الآن يا ليلى. أنتِ تعتقدين أنكِ ستسرقين مالي وتذهبين إليه.. لكنكِ لا تعرفين أنني قمت بتحويل كل شيء باسم شركة وهمية منذ ساعة واحدة فقط. والآن.. لديكِ خيار واحد لتنقذي نفسك من السجن مع عشيقك.”
رفعت رأسها والدموع تغطي وجهها: “ما هو؟” أجابها بابتسامة مرعبة: “ستتصلين به الآن، وتخبرينه أن الخطة نجحت، وأنكِ تنتظرينه في الشقة المهجورة.. سنرى من سيضحك أخيراً.”
نهاية الجزء الأول.
ماذا سيحدث في “الجزء الثاني”؟
- هل ستنفذ ليلى طلب كمال أم ستغدر به مرة أخرى؟
- من هو “عمر” الحقيقي وما هو سر انتقامه من كمال؟
- وكيف ستتحول رحلة البحث عن الانتقام إلى مواجهة دموية في الشقة المهجورة؟
هل أنت مستعد لبقية الأجزاء:
إضغط هنا : سر الشقة 13 بالمرسى:الزوجة سلاح العدو الجزء 2
إضغط هنا : سر الشقة 13 بالمرسى:الزوجة سلاح العدو الجزء 3





