تخطى إلى المحتوى

تحقيق استقصائي: عملية “النظام الجديد” – كيف اغتيل حسن نصر الله في عرينه تحت الأرض ومن سلمه؟

مشهد دمار في الضاحية الجنوبية لبيروت مع طائرات حربية وصورة لحسن نصر الله ضمن تصميم تحقيق استقصائي سياسي.

الليلة التي غيرت وجه الشرق الأوسط

في مساء السابع والعشرين من أيلول (سبتمبر) عام 2024، لم تكن الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت تستعد لأكثر من ليلة خريفية عادية، قبل أن يصحو العالم على حدث مفصلي غير موازين القوى في المنطقة. أسراب من المقاتلات الإسرائيلية النفاثة من طراز F-15I كانت قد أقلعت من قواعدها حاملة ترسانة صاروخية ضخمة وموجهة بدقة، لتنفيذ ما أعلن عنه الجيش الإسرائيلي لاحقاً باسم عملية النظام الجديد (New Order)، والتي أدت إلى اغتيال حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله اللبناني.

تعد هذه العملية واحدة من أعقد العمليات العسكرية والاستخباراتية في التاريخ الحديث، وأثارت وما زالت تثير موجة عارمة من الأسئلة حول طبيعة الاختراق، والتقنيات المستخدمة، وحجم التسريبات التي قادت إلى كشف مكان القبو الحصين الذي اعتقد الكثيرون أنه عصي على التدمير.


العرين السري: قلعة حارة حريك وهندسة التحصين تحت الأرض

وفقاً للبيانات والتقارير الإعلامية المتداولة، فإن المقر المركزي لقيادة حزب الله كان يقبع على عمق يصل إلى ثمانية عشر متراً تحت الأرض، وتحديداً أسفل مجمع سكني يتألف من ستة مبانٍ متراصة في قلب حي حارة حريك المكتظ بالسكان في الضاحية الجنوبية لبيروت. وتشير التقارير الفنية إلى أن الملجأ تم تصميمه برمجياً وهندسياً ليكون قادراً على تحمل الضربات الارتجاجية والقصف الجوي التقليدي عبر طبقات سميكة من الخرسانة المسلحة.

وتذهب أوراق التحليل السياسي إلى أن التموضع في هذه المنطقة الآهلة بالمدنيين كان يمثل، من وجهة نظر الحزب، خط دفاع معنوياً وإنسانياً يمنع الإقدام على قصف جوي واسع لتفادي المجازر الإنسانية وردود الفعل الدولية. وبحسب تقارير غربية، فإن الحزب اعتمد لسنوات على منظومة تمويه معقدة، شملت بث خطابات من استوديوهات أرضية تحاكي المقر الرئيسي ومربوطة بشبكة أنفاق سرية ممتدة، إلى جانب الاعتماد على شبكات اتصالات سلكية بدائية وسعاة بريد يدوياً كبديل عن الهواتف الذكية لتفادي الاختراقات السيبرانية.


لحظة الصفر: كيف تهاوت التحصينات تحت وطأة الضربات؟

عند الساعة 6:20 مساءً بالتوقيت المحلي، نفذت المقاتلات الجوية الضربات المتتالية. وبحسب تقارير نشرتها صحف أمريكية مثل “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست”، فقد ألقيت عشرات القنابل الثقيلة الموجهة بدقة والخارقة للمخابئ (Bunker Busters) من طراز GBU-31. اعتمدت الاستراتيجية العسكرية للضربة على إحداث تفجيرات متزامنة ومتسلسلة، تخترق كل قنبلة منها عمقاً جديداً أسفل سابقتها، مما أسفر عن انهيار رأسي كامل للمباني الستة الشاهقة.

وتداولت أوساط إعلامية وتحليلات أمنية فرضيات متعددة حول كيفية تأكد المخابرات من نجاح الضربة في اللحظات الأولى، حيث أشارت بعض التقديرات غير الرسمية إلى احتمالية تتبع مؤشرات بيولوجية أو انقطاع مفاجئ لإشارات اتصالات سلكية حساسة مخصصة للقيادة داخل القبو نتيجة الضغط الارتجاجي الهائل الذي أحدثته الصواريخ، والذي أدى برمجياً وعسكرياً إلى سحق المقر بالكامل وتدمير مخارج الطوارئ المؤدية إلى شبكات الأنفاق المحيطة.


الاختراق الاستخباراتي: عيون الموساد داخل شبكة الاتصالات

يرى خبراء أمنيون أن نجاح عملية اغتيال حسن نصر الله اعتمد بالدرجة الأولى على تمهيد استخباراتي وُصف بالأوسع في تاريخ المنطقة. فقبل أسابيع من الهجوم، شهد لبنان موجة تفجيرات طالت أجهزة النداء اللاسلكي “البيجر” (Pager) وأجهزة اللاسلكي الخاصة بأعضاء الحزب، وهو ما اعتبرته التقارير الدولية دليلاً على اختراق سيبراني ولوجستي عميق لخطوط الإمداد والاتصال نفذته وحدات متخصصة مثل الوحدة 8200.

هذا التفوق التقني سمح، وفق تحليلات وكالات الأنباء العالمية، برسم خارطة حية للأصوات والتحركات القيادية، مِمّا ساعد في تضييق دائرة البحث حول الأماكن والمقرات التي قد يتردد عليها قادة الصف الأول للحزب لتقديم قراءات دقيقة حول هيكلية السيطرة الميدانية.


بورصة التسريبات: الروايات الغامضة حول من “سلّم” المقر؟

بينما يظل الغموض سيد الموقف في التحقيقات الرسمية، ضجت وسائل الإعلام الدولية بسلسلة من التسريبات والتقارير الاستخباراتية التي تحاول تفسير كيفية معرفة ساعة ومكان الاجتماع بدقة متناهية.

1. فرضية الاختراق عبر وسيط خارجي

نشرت صحيفة “لوباريزيان” الفرنسية وتقارير إعلامية أخرى فرضيات تشير إلى وجود اختراق بشري رفيع المستوى. وتحدثت بعض هذه الروايات والتسريبات غير المؤكدة عن امتداد خطوط التجسس إلى مستشارين أو شخصيات على صلة بالتنسيق الإقليمي (تداولتها بعض الأوساط تحت أسماء حركية مثل “مجيد” أو غيرها دون توثيق رسمي)، وزعمت تلك التقارير نقل تفاصيل يومية حول مواعيد حركة نصر الله مقابل امتيازات مالية وتسهيلات أمنية في أوروبا، وهي روايات تظل في إطار الحرب النفسية والإعلامية ما لم تصدر أدلة قطعية بشأنها.

2. سيناريو العميل المزدوج في غرفة العمليات

تذهب روايات استخباراتية مضادة إلى رصد حركة سيارات القيادة من خلال عملاء ميدانيين على الأرض أكدوا دخول الوفد عبر الأنفاق المؤدية للمقر قبل ساعات قليلة من الهجوم. وتزعم هذه التحليلات أن التباين في وجهات النظر السياسية في بعض الملفات الإقليمية فتح الباب لثغرات أمنية استغلتها أجهزة المخابرات، حيث تحول التدقيق في الولاءات إلى ثغرة أتيحت من خلالها معلومات الحركة لمن يملك القدرة على الرصد والمتابعة.


شبح الاختراق في طهران: تداعيات الأزمة الأمنية

امتدت أصداء التوجس الأمني لتصل إلى العاصمة الإيرانية طهران. فبحسب وكالة “رويترز” للأنباء، اتخذت السلطات الإيرانية إجراءات مشددة عقب الحادثة، شملت نقل المرشد الأعلى علي خامنئي إلى مكان آمن شديد التحصين داخل البلاد.

وتناولت تقارير غربية وتقديرات لمراكز أبحاث فرضية أن ملف التسريبات طال مستويات إدارية وتنسيقية رفيعة في المؤسسات الأمنية الإقليمية. وتحدثت تسريبات إعلامية عن مراجعات واسعة طالت خرائط الأنفاق الاستراتيجية والمقرات الحيوية في مدن مثل قم وكرج، وسط تساؤلات صامتة في أروقة القرار حول مدى عمق الاختراق البشري وما إذا كان هناك عملاء نجحوا في الوصول إلى مستندات لوجستية بالغة السرية دون الكشف عن هوياتهم حتى الآن.


الحصاد العسكري: ما المؤكد وما الذي بقي ضمن التسريبات؟

تتفاوت الأرقام والتقديرات حول النتائج النهائية للضربة، ويمكن تقسيم المشهد إلى شقين:

أولاً: الوقائع المؤكدة رسمياً

  • الخسائر القيادية: أكد حزب الله رسمياً غياب أمينه العام حسن نصر الله، إلى جانب علي كركي قائد الجبهة الجنوبية، والعميد عباس نيلفروشان نائب قائد عمليات الحرس الثوري الإيراني في لبنان.
  • التوقيت العسكري: إعلان الجيش الإسرائيلي المباشر فور انتهاء الغارات عن بدء مرحلة عسكرية جديدة تهدف إلى تحييد البنية القيادية للحزب.

ثانياً: التقديرات والتسريبات المفتوحة

  • حجم التدمير الصاروخي: في حين أعلنت مصادر عسكرية إسرائيلية عن تدمير نسبة كبيرة من القدرات الصاروخية الاستراتيجية للحزب، تشير تحليلات عسكرية مستقلة إلى أن الترسانة الصاروخية والميدانية للحزب تظل قادرة على المناورة والتعافي عبر الهياكل القيادية البديلة.

خاتمة: أطلال حارة حريك والأسئلة المعلقة لعام 2026

اليوم، وفي عام 2026، يظل موقع حارة حريك في الضاحية الجنوبية شاهداً على ليلة غيرت مسار الأحداث السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط. ورغم محاولات إعادة تنظيم الأوضاع وبدء خطط إعادة الإعمار، إلا أن الهواجس الأمنية لا تزال تخيم على المنطقة خشية تكرار الضربات الارتجاجية.

ومع استمرار النقاشات السياسية حول هوية القيادات الجديدة وكيفية سد الثغرات، تظل التساؤلات الكبرى معلقة في الفضاء الإعلامي والاستخباراتي بين بيروت وطهران: هل نجحت التحقيقات الداخلية في اقتلاع جذور شبكات التجسس والعملاء المزدوجين، أم أن كواليس صراع المعلومات لا تزال تخفي فصولاً أخرى لم تُروَ بعد؟

ما هي عملية “النظام الجديد”؟

هي العملية العسكرية الجوية الشاملة التي نفذها الجيش الإسرائيلي في 27 سبتمبر 2024، واستهدفت المقر المركزي الحصين لحزب الله في ضاحية بيروت الجنوبية، مما أسفر عن اغتيال أمينه العام حسن نصر الله وقادة ميدانيين ومستشارين عسكريين.

كيف تم اختراق المقر السري لحسن نصر الله تحت الأرض؟

م الاختراق عبر تكتيك استخباراتي مزدوج؛ دمج بين التجسس السيبراني عبر زراعة برمجيات خبيثة في أجهزة “البيجر” واللاسلكي، وبين الاختراق البشري المباشر من خلال تسريب جداول مواعيد وإحداثيات تحركات نصر الله بدقة من عملاء داخل فيلق القدس الإيراني.

ما نوع القنابل المستخدمة في اغتيال حسن نصر الله؟

ألقى الطيران الإسرائيلي أكثر من 80 طناً من المتفجرات باستخدام قنابل موجهة ثقيلة ومخصصة لاختراق التحصينات والمخابئ العميقة من طراز GBU-31، والتي تعمل بنظام التفجير الارتجاجي المتسلسل لتدمير طبقات الخرسانة المسلحة تحت الأرض.

الوسوم: