"لقطة سينمائية من زاوية منخفضة لمكتب فخم في منطقة المنزه، يظهر فيها معصم رجل ميت يرتدي ساعة يد ميكانيكية فاخرة متوقفة تماماً عند الساعة 10:10. في الخلفية المضببة (Bokeh)، تظهر امرأة ترتدي ثياباً سوداء وتقف ببرود بجانب فنجان قهوة يتصاعد منه بخار خفيف، بينما يظهر ظل المحقق وهو يدخل الغرفة، مع إضاءة خافتة توحي بالغموض والتوتر الدرامي."

العملية الأخيرة: غدر الزوجة ج1

سي كمال: عين المختبر

وصل المحقق كمال، رجل في الخمسين من عمره، يُعرف في أروقة وزارة الداخلية بـ “الميكروسكوب”. كمال لا يقرأ تعابير الوجوه، بل يقرأ فيزياء المكان. عندما دخل المكتب، لم يذهب نحو الجثة أولاً، بل وقف عند عتبة الباب وأغلق عينيه واستنشق الهواء بعمق.

“لوز مر..” همس كمال لمساعده الشاب سليم. “رائحة خفيفة جداً، لكنها موجودة. سيانيد البوتاسيوم. لكن انظر إلى وجه الضحية يا سليم، لا يوجد ازرقاق كافٍ، ولا زبد حول الفم. هناك شيء أوقف القلب قبل أن يكمل السم دورته.”

تقدم كمال نحو الجثة. كان الطبيب يرتدي ساعة يد من نوع “باتيك فيليب” (Patek Philippe) ميكانيكية، تعمل بحركة النبض والمعصم. كانت الساعة متوقفة تماماً. العقرب الكبير يشير إلى الرقم 2، وعقرب الثواني متجمد عند الرقم 10. الساعة كانت 10:10 صباحاً.

منطق الساعات والحرارة

“سليم، اطلب من الطبيب الشرعي قياس درجة حرارة القهوة في الفنجانين على المكتب فوراً،” أمر كمال بصوت حازم. على المكتب، كان هناك فنجانان من القهوة التونسية. فنجان الدكتور هشام كان ممتلئاً بنسبة 70%، وفنجان آخر في الجهة المقابلة كان فارغاً تماماً ومقلوباً على الصحن.

جاء التقرير الأولي سريعاً: درجة حرارة القهوة في فنجان هشام هي 22 درجة مئوية، وهي نفس درجة حرارة الغرفة. أما القهوة المتبقية في قاع الفنجان الآخر، فكانت 34 درجة مئوية. ابتسم كمال بمرارة: “هنا بدأت الثغرات. الزوجة تقول إنها كانت تشرب القهوة معه في الساعة العاشرة والربع صباحاً، أي قبل وصولنا بنصف ساعة فقط. إذا كانت القهوة في فنجانها لا تزال دافئة، فلماذا فنجان الضحية بارد كأنه صُبّ منذ ساعتين؟”

الشهادة المهتزة

استدعى كمال السيدة ليلى، زوجة الضحية. كانت تبدو هادئة بشكل احترافي، مرتدية ثياباً سوداء فاخرة، ولم تسقط من عينها دمعة واحدة. “سيدتي، حدثينا عن الساعة العاشرة صباحاً،” قال كمال وهو يتفحص أظافره.

أجابت ليلى بصوت ثابت: “هشام استيقظ في الثامنة. دخل مكتبه ليراجع بعض الملفات الطبية. في العاشرة وعشر دقائق، أعددت القهوة وحملتها له. جلسنا نتحدث عن عطلتنا القادمة في باريس. شربت قهوتي وغادرت الغرفة في العاشرة وعشرين دقيقة لأستحم. عندما عدت في العاشرة وأربعين دقيقة لأطمئن عليه، وجدته هكذا.”

كمال لم يقاطعها، بل أخرج مفكرة صغيرة ورسم خطاً زمنياً. “جميل جداً. ولكن يا مدام ليلى، زوجك يرتدي ساعة أوتوماتيكية ميكانيكية. هذه الساعات لا تتوقف إلا في حالتين: إما أن الزنبرك الداخلي انتهى شحنه (وهذا مستحيل لأن الدكتور كان يتحرك)، أو أنها تعرضت لصدمة مغناطيسية هائلة أدت إلى تجمد التروس. الساعة توقفت في العاشرة وعشر دقائق بالضبط. أي في اللحظة التي تقولين فيها إنكِ دخلتِ بالقهوة.”

ارتبكت ليلى للحظة، لكنها استدركت: “ربما تعطلت من تلقاء نفسها، إنها مجرد ساعة.”

اللغز المغناطيسي

كمال لم يقتنع. طلب من “سليم” تفتيش الحقيبة الطبية للدكتور هشام التي كانت بجانب المكتب. عندما فتحها، وجد جهاز “إزالة رجفان القلب” (Defibrillator) المحمول. كانت أقطاب الجهاز رطبة قليلاً، وهناك رائحة “أوزون” خفيفة تنبعث منه، وهي الرائحة التي تظهر بعد تفريغ شحنة كهربائية عالية.

“سليم، القاتل لم يكتفِ بالسم،” قال كمال وهو يرتدي قفازاته. “السم (السيانيد) يستغرق دقائق ليقتل، ويبقي آثاراً واضحة. القاتل وضع السم في القهوة، وعندما بدأ الدكتور هشام يشعر بالاختناق، قام القاتل بوضعه على الكرسي واستخدم جهاز الصدمات الكهربائية الخاص بالطبيب نفسه ليصعقه في قلبه. الصعقة الكهربائية تسببت في توقف القلب فوراً (Suddent Cardiac Arrest)، مما غطى على مفعول السم الذي لم ينتشر بالكامل في الدم، وفي نفس الوقت، أنتجت تلك الصعقة مجالاً كهرومغناطيسياً أوقف تروس الساعة الميكانيكية في معصم الضحية عند اللحظة الصفر: 10:10.”

الشخص الثالث في الغرفة

نظر كمال إلى السجادة الفاخرة تحت المكتب. كانت هناك علامة ضغط صغيرة جداً، دائرية الشكل، لا يمكن أن تكون ناتجة عن حذاء. كانت علامة ناتجة عن “كعب عالي جداً ومدبب”. ليلى كانت ترتدي خفاً منزلياً مسطحاً.

“مدام ليلى، من كانت ضيفتك في الساعة العاشرة؟” سأل كمال فجأة وهو ينظر في عينيها. شحب وجهها تماماً. “لم يدخل أحد..” “كاذبة،” رد كمال ببرود. “الفنجان الثاني لم يكن لكِ. أنتِ لا تشربين القهوة بدون سكر، وقد رأيت أكياس السكر في المطبخ غير مستعملة. الشخص الذي كان هنا هو شخص مهووس بالحمية، يرتدي كعباً عالياً، ويعرف مكان جهاز الصدمات في حقيبة الدكتور. ليلى، أنتِ لم تقتليه.. أنتِ فقط كنتِ تنظفين مسرح الجريمة لشخص آخر.”

في تلك اللحظة، رن جرس الهاتف في الرواق. كان المختبر الجنائي قد انتهى من فحص البصمات على جهاز الصدمات. لم تكن هناك بصمات لليلى، بل بصمات تعود لشخص يعمل في المستشفى مع الدكتور هشام.

الخيط الأول

بينما كان كمال يغادر الشقة، لاحظ شيئاً أخيراً على معصم ليلى؛ أثر حرق صغير جداً بشكل “قوس كهربائي”. “انتظر يا سليم،” همس كمال. “ليلى لم تكن تنظف المكان فقط.. لقد كانت تمسك بجسد هشام ليثبت على الكرسي بينما كانت مريم تصعقه. الحرق على معصمها هو ‘توقيع’ الجريمة.”

لكن السؤال الذي ظل عالقاً في ذهن كمال: لماذا يقتل جراح ومساعدته جراحاً آخر في منزله وبجهازه الخاص؟ وما هي العلاقة التي تربط الزوجة بالمساعدة لتشتركا في قتل الرجل الذي يجمعهما؟

الحقيقة لم تكن مجرد جريمة غيرة، بل كانت تتعلق بـ “ساعة الضحى” القادمة، حيث كان من المفترض أن يجري الدكتور هشام عملية جراحية لمسؤول كبير في الدولة في تمام الساعة الثانية ظهراً.. عملية لم يكن مقدراً لها أن تنجح.

هل أنت مستعد للجزء الثاني و الثالث

الجزء الثاني| العملية الأخيرة: غدر الزوجة:اضغط هنا

الجزء الثالث| العملية الأخيرة: غدر الزوجة:اضغط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *