في مكتب التحقيق بوزارة الداخلية، كان الهواء ثقيلاً ومشحوناً بالتوتر. المحقق كمال لا يؤمن بالاعترافات التي تأتي تحت الضغط، بل يؤمن بالاعترافات التي يفرضها المنطق الفيزيائي. أمام الطاولة، كانت تجلس الدكتورة مريم، المساعدة الأولى للضحية. كانت ترتدي بدلة رسمية، وتضع نظارات طبية تخفي عينين باردتين كالموت.
“دكتورة مريم، أنتِ جراحة بارعة،” بدأ كمال وهو يضع صورة “ساعة الضحية” المتوقفة أمامها. “تعرفين تماماً أن جهاز الصدمات الكهربائية يترك أثراً مغناطيسياً، وتعرفين أن السيانيد يترك رائحة. لماذا ارتكبتِ خطأً ساذجا كهذا في مكتب الدكتور هشام؟”
لم ترمش مريم. “أنا كنت في المستشفى منذ الثامنة صباحاً، سيادة المحقق. سجلات الحضور، الممرضات، وكاميرات الممر كلها تثبت وجودي.”*
الثغرة التقنية: لغز “المعطف الأبيض”
ابتسم كمال وسحب ورقة من ملفه. “سجلات المستشفى تقول إنكِ دخلتِ غرفة العمليات رقم 4 في الساعة التاسعة والنصف لإجراء جراحة روتينية. لكن، إليكِ المفاجأة: سجلات استهلاك الأكسجين وجهاز مراقبة المؤشرات الحيوية في تلك الغرفة تشير إلى أن الجهاز كان يعمل على ‘وضع المحاكاة’ (Demo Mode). لم يكن هناك مريض يا مريم. لقد وضعتِ ممرضة تثقين بها في ثيابك داخل الغرفة لتظهر أمام الكاميرات، وخرجتِ أنتِ من باب المشرحة الخلفي.”
شحب وجه مريم قليلاً، فتابع كمال: “لقد استغرقت الرحلة من المستشفى إلى المنزه السادس 15 دقيقة بسيارتك. ولأننا في تونس العاصمة، نعلم أنه لا يوجد طريق سيار (Péage) بين المستشفى والمنزه، لكنكِ ارتكبتِ خطأً ‘تكنولوجياً’. سيارتك من النوع الحديث الذي يسجل ‘نقاط التوقف والتشغيل’ (Log Data) في مفتاحها الذكي. قمتُ بسحب البيانات؛ سيارتك توقفت أمام عمارة الدكتور هشام من الساعة 10:05 إلى الساعة 10:35 صباحاً. المحرك لم يكذب.”
لماذا التحالف؟ (كشف لغز الزوجة والمساعدة)
هنا طرح كمال السؤال الجوهري: لماذا تتحالف الزوجة مع المساعدة لقتل الرجل نفسه؟ “ليلى لم تكن تغار منكِ يا مريم،” قال كمال بصوت منخفض. “بل كانت تخاف منه. اكتشفنا في حسابات الدكتور هشام السرية أنه كان ينوي تحويل كافة ثروته وعقاراته إلى ‘جمعية خيرية’ قبل أن يطلب الطلاق من ليلى. ليلى كانت ستخرج من القصر بملابسها فقط. أما أنتِ.. فكانت لديكِ كارثة أكبر.”
فتح كمال مظروفاً يحتوي على تقارير طبية. “الدكتور هشام اكتشف أنكِ كنتِ تتقاضين عمولات ضخمة من شركة أدوية مقابل استخدام صمامات قلب ‘مغشوشة’. كان سيبلغ عنكِ في صباح الغد. قتله لم يكن جريمة شغف، بل كان ‘عملية تنظيف’ لمصالحكم المشتركة.”
العملية الكبرى: “المريض رقم 1”
لكن الحبكة تزداد تعقيداً. كمال يعلم أن قتل هشام في هذا التوقيت بالذات ليس صدفة. “غداً، كان من المفترض أن يجري هشام عملية لـ ‘رجل أعمال نافذ’ يمتلك نصف أسهم المصحة التي تعملون بها. إذا مات هذا الرجل، ستنتقل إمبراطوريته إلى ‘شريكه الغامض’. ولكن إذا مات هشام قبل العملية، ستحلين محلّه أنتِ لتضمني موتاً ‘طبيعياً’ لرجال الأعمال على طاولة العمليات.”
المواجهة في المشرحة: حقنة الهواء
طلب كمال من مريم مرافقته للمشرحة. هناك، كان الطبيب الشرعي ينتظر. “سيادة المحقق،” قال الطبيب، “فحصنا جثة الدكتور هشام مجدداً. هناك شيء غريب. الصدمة الكهربائية لم تكن هي التي قتلت هشام. بل كان هناك ‘ثقب إبرة’ مجهري خلف أذنه.”
التفت كمال إلى مريم. “السيانيد في القهوة كان مجرد تشتيت. الصدمة الكهربائية كانت لإيقاف الساعة وتزييف التوقيت. لكن القاتل الحقيقي استخدم ‘حقنة هواء’ (Air Embolism) في الشريان خلف الأذن لضمان موت فوري يبدو كسكتة قلبية. وهذا يتطلب دقة جراح لا يخطئ.”
الثغرة التي لا تُسد: “الخاتم الغريب”
نظر كمال إلى يد مريم. كانت ترتدي قفازات جلدية رقيقة. “انزعي القفاز يا دكتورة.” عندما نزعت القفاز، ظهرت علامة زرقاء واضحة حول إصبعها. “لقد فتشتُ غرفة المكتب يا مريم. وجدنا ‘خاتماً’ ضخماً مخبأ في سلة المهملات، ليس خاتم هشام، بل خاتم شخص آخر سقط أثناء تثبيت الجثة. ليلى كانت تمسك يد هشام لئلا يقاوم، وأنتِ كنتِ تحقنينه، لكن كان هناك ‘رجل ثالث’ هو من خطط لكل هذا.”
دخل المساعد سليم هامساً: “سيدي، ليلى لم تتصل بمريم، بل اتصلت بـ ‘محامي العائلة’. هو الشخص الوحيد الذي كان يعرف بموضوع تغيير الوصية، وهو نفسه الشريك التجاري الخفي لرجل الأعمال الذي كان سيخضع للعملية!”
نهاية الجزء الثاني: المثلث القاتل
أدرك كمال أن الجريمة هي مثلث: الزوجة (الطامعة في الإرث)، المساعدة (الخائفة من الفضيحة)، والمحامي (العقل المدبر الذي يريد إزاحة شريكه التجاري).
“مريم،” قال كمال وهو يغلق القيد على يدها، “أنتِ معتقلة. لكن ليلى اختفت منذ ساعة.. والمحامي الآن في المصحة، يجهز الأوراق لنقل الملكية بمجرد إعلان وفاة رجل الأعمال التي ستقومين بها أنتِ.. أو من سينوب عنكِ الآن.”
من هو هذا المحامي الداهية؟ وكيف سيتمكن كمال من إيقاف “العملية الأخيرة” في المصحة قبل أن يكتمل مخطط الاستيلاء على الإمبراطورية؟
لقراءة الجزء الأول العملية الأخيرة: غدر الزوجة ج1 : إضغط هنا
لقراءة الجزء الثالث العملية الأخيرة: غدر الزوجة ج3 : إضغط هنا










